يا هلا ومسهلا، يا الله حيه. اقلط يا بطل، تقهوى وخذ لك تمرة من هالسكري اللي يسر الخاطر، واسمع مني هالسوالف اللي تبي تسرّك وتوسّع صدرك.
تبينا نسولف عن مقولة “قوم تعاونوا ما ذلوا”؟ إي والله، صدق من قالها، اشهد بالله إنها مقولة تنشرى بماء العين. هذي مهيب بس كلمة تنقال باللسان، هذي دستور حياة عاشوا عليه أجدادنا وآبائنا في ديرتنا، سواءً في نجد العذية ولا في قصيمنا الغالي. الحياة قبل ما كانت مثل هالحين، كل شيء يجيك لحدك بضغطة زر؛ كانت قاسية، شمس تحرق، وبرد يقص المسمار، وجوع، وتعب. مير، وش اللي خلاهم يصمدون ويزينون حياتهم؟ بوه سر عظيم، ألا وهو “التعاون والفزعة”. ما كان بوه شيء اسمه “أنا”، كان بوه “حنا”. الجار لجاروه، والصديق لصديقوه، والقريب والبعيد كلهم يد وحدة، على قولة الأولين: “الناس بالناس، والكل بالله”.
خلني آخذك برحلة للماضي، نعيش شوي من حياة الأولين، ونشوف وشلون كان التعاون هو راس مالهم، وشلون صدق “قوم تعاونوا ما ذلوا”.
المجلس ودلة القهوة: بداية الشور والتعاون
في القرى قديماً، سواءً في بريدة ولا عنيزة، ولا في حريملاء وشقراء والرياض وما حولها، كان المجلس (القهوة) هو البرلمان. إذا أذن الفجر وصلوا الناس، اجتمعوا بقهوة كبير الحارة ولا شيخ الديرة. بوه يجتمعون يتشاورون، وش ناقص فلان؟ من اللي تعبان؟ من اللي يبي يبني بيتوه؟ من اللي مزرعتوه يبي لها صرام؟ يقول أبو صالح: “يا جماعة الربع، جارنا أبو علي يبي يعمّر بيتوه، والطين جاهز، واللبِن ضربناه، مير ناقصنا سواعدكم.” يرد أبو محمد، وهو يصب الفنجال: “أبشر بعزك، ووش دعوة! حنا يمينك اللي ما تعصاك، من باكر الصبح وحنا مسنترين عندوه، وغداننا قبل رجالنا.” ما بوه أحد يتعذر، ولا بوه أحد يقول “وش كاري؟”. الفزعة كانت تمشي بدمهم. واللي ما يعاون الناس، يستحي يرفع عينوه بالمجلس. هذا هو التكاتف اللي بنى الديار وخلاها تعمر.
فزعة الطين والعمار: سواعد ما تعرف الكَلَل
يا بطل، عمارة الطين قديماً ما كانت مقاولة ولا شركات تجيب عمال وتدفع لهم فلوس. العمار كان “فزعة”. تخيل المشهد معي: يوم الخميس من صباح الله خير، تسمع الأصوات بالحارة. هذا يجيب الماء، وهذا يخلط الطين مع التبن (الله يكرمك)، وهذا يناول اللبِن. صف من الرجال والشباب، يشتغلون مثل خلية النحل. ولعشان التعب يروح، وش كانوا يسوون؟ كانوا “يهيجنون” ويشيلون الصوت بالأهازيج. واحد يرفع الصوت ويقول: “يا الله يا معطي العطايا…” ويردون عليه الباقين: “يا كريم الوجه يا رحماني…” شغل شاق يهد الحيل، مير مع السوالف، والمزح، والضحك، وريحة الطين اللي تشرح الصدر، يخلصون الجدار بيوم واحد! الحريم جوا البيوت وش يسوون؟ ما يقعدن فاضيات. أم فلان وأم علان مجتمعات، يطبخن الغدا، جريش، ومرقوق، ومطازيز، ويخبزن هالمراصيع، ويجهزن القهوة والشاهي. يرسلون الغدان (البزارين) للرجال: “طس يا ولد ودّ هالقهوة لعمامك خن يروقون روسهم.” الكل مشارك، البيت اللي ينبني هو بيت الحارة كلها، مهوب بس بيت فلان. ولما يخلصون، ويسقفون البيت بخشب الأثل وسعف النخل، تشوف الفرحة بعيون الكل، وكأن كل واحد منهم بانيٍ قصر لنفسه. هنا تعرف وشلون “قوم تعاونوا ما ذلوا”. البيت انبنى بالمحبة قبل الطين.
خراف النخل والصرام: العونة في المزارع
نروح للزراعة، وتحديداً بالقصيم، ديرة النخل والخير. موسم “الصرام” (جني التمر) وموسم “الخراف” كان حالة استنفار عامة. المزارع (الفلاح) مهما كان عندوه عيال، ما يقدر يلحق على خراف كل هالنخل وتعبئة التمر وتخزينه بالمجصة (مكان حفظ التمر). وش يصير؟ تجي الفزعة مرة ثانية. الجار يمر على جاروه بالمزرعة: “قوّه يا أبو دحيم، اشوف نخلكم استوى، باكر حنا عندك.” يبدأ الشغل من الفجر، قبل لا تحترّ الشمس. اللي يرقا النخلة (يخرف)، واللي يلقّط من تحت، واللي ينظف، واللي يعبي بالجصّة. وحتى في الزراعة وسقي الماء. قديماً ما كان بوه غطاسات ومواطير. كان بوه “السواني” (الجمال أو البقر اللي تطلع الماء من البير). السواني تحتاج شغل ومتابعة. لو غاب راعي المزرعة لمرض ولا سفر، الجيران يتكفلون بمزرعتوه كأنها مزرعتهم. يسقونها، ويتابعونها، ولا ينقص منها رطبة. يقول الشايب: “يا ولدي، النخلة مثل البنت، تبي من يداريها ويحن عليها، وجيرانا ما قصروا يوم طحت مريض، قاموا بحايطي (مزرعتي) أزين من قومتي بوه.” ياخي، حتى البزران لهم دور، تلقاهم يركضون بين النخل، يجمعون الحشف، ويسقون العطشان ماء من القربة. ما بوه أحد يجلس ممدد رجليه. هذي الشراكة هي اللي خلت نجد والقصيم واحة خضراء وسط صحراء قاحلة.
وقت الشدائد والكوارث: سنة الغرقة
ترا التعاون ما يبين صدق إلا وقت الشدايد والأزمات. سمعت عن “سنة الغرقة”؟ هذي سنة صبت فيها الأمطار صب، وسالت الأودية بشكل يخوف، وتهدمت بيوت الطين على روس أصحابها. في هالمواقف، ما ينفع فيها إلا “قوم تعاونوا ما ذلوا”. يوم زاد السيل وبدت البيوت تخرّ، طلعوا الرجال بوسط الليل والمطر يجلد. ما قالوا “خلنا ببيوتنا آمنين”. لا والله، طلعوا ينقذون جيرانهم. اللي بيتوه قوي، فتح بيبانوه للناس اللي تهدمت بيوتهم. “اقلطوا يا جماعة، البيت بيتكم، واللحاف واحد.” الحريم يقسمن الأكل، والرجال يطلعون يزبرون التراب (يحطون حواجز) عشان يحولون مجرى السيل عن الباقي من البيوت. الغني يتبرع بماله وتموره، والقوي يتبرع بصحته، والفاهم يدير الأزمة. ما بوه بيت بات جوعان وفي الديرة بيت شبعان. تقاسموا التمرة، وتقاسموا اللقمة. هالتكاتف هو اللي خلاهم يتجاوزون كوارث طبيعية كانت ممكن تمحي قرى كاملة من الخريطة. ذلّوا الصعاب لأنهم تعاونوا.
الأفراح والمناسبات: العرس عرس الجميع
خلنا نغير الجو شوي ونروح للفرح. العرس قديماً ما كان بقصور أفراح وتكاليف تكسر الظهر مثل هالحين. العرس كان “مهرجان الحارة”. إذا خطب فلان بنت فلان، الديرة كلها تستعد. قبل العرس بأيام، الحريم يجتمعن ببيت المعرس. هذي تنقي الرز، وهذي تطحن القمح، وهذي تجهز بهارات الطبخ، وهذي تخيط ثياب العروس وتطرزها. كله شغل يدوي، وببلاش، فزعة ومحبة! ويوم العرس، الرجال يتكفلون بالذبح والسلخ والطبخ بالقدور الكبار (المثاليث). شباب الحارة هم “المباشرين” (اللي يصبون القهوة ويوزعون الأكل). ما يجيبون عمالة من برا. تسمع الشايب يوجه الشباب: “يا ولد انت وياه، انتبهوا للمعازيم، لا يفضى فنجال ضيف، ولا يقصر على أحد عشا. ترفعوا روسنا اليوم.” وقت العشاء، الكل يتعاون بتوزيع الصحون. وبعد العشاء، يجتمعون يلعبون السامري ولا العرضة. الفرحة وحدة، والتعب مقسوم على الجميع، عشان كذا كان العرس بوه بركة ما يعلم بها إلا الله. تكاليفه قليلة، ومحبته كبيرة، لأن كل شخص ساهم بجهده أو ماله. “الرفد” (العانية) كانت عادة أساسية، كل واحد يعطي المعرس اللي يقدر عليه، سواء فلوس، ولا كيس رز، ولا رأس غنم، عشان يعينونه على بداية حياته.
التعاون بالسفر ومواجهة قطّاع الطرق
حتى في السفر، أهل نجد والقصيم كانوا أهل تجارة، يروحون للعراق والشام والهند (العقيلات). السفر على البعارين شهور طويلة، بوه جوع وعطش وقطّاع طرق (حنشل). وشلون يقدرون يواجهون هالخطر؟ بالتعاون! القافلة تمشي جماعة، ما يمشي أحد لحاله. يتعاهدون على الموت والحياة. إذا مرض واحد منهم، شالوه وعالجوه ولا يخلونه بالصحراء. وإذا هجم عليهم أحد، صفوا صف واحد يدافعون عن حلالهم وأرواحهم. كانوا يقولون: “اللي يعيّي عن رفيقوه وقت الضيق، عساه ما يربح.” تكاتفهم بالسفر جلب لهم الثروات، وخلاهم مضرب مثل بالأمانة والشجاعة. تعاونوا بالتجارة، فلان يشتري، وعلان يسوق، والثالث يبيع، والأرباح تتقسم بالعدل.
وش تغير هالحين؟
هالحين يا بطل، تغيرت الدنيا، بيوتنا صارت خرسانة وأسمنت، ومزارعنا صارت تديرها مكاين، والأعراس بقصور وفنادق، والسفر بطيارات. مير، هل ماتت مقولة “قوم تعاونوا ما ذلوا”؟ لا والله، ما ماتت، بس تغير شكلها. شف شبابنا وبناتنا اليوم، إذا صارت أزمة، مثل وقت الكورونا، وشلون وقفوا وقفة رجال واحد. اللي تطوع بالمستشفيات، واللي يوصل الأدوية لكبار السن، واللي يتبرع من حر مالوه. شف منصات التبرع مثل “إحسان” وغيرها، وشلون السعوديين بمختلف مناطقهم يهبون لسداد ديون المعسرين، وتفريج كرب المكروبين في ساعات قليلة. شف الفزعة في وسائل التواصل، لو يضيع طفل ولا شايب بالبر، تلقى الفرق التطوعية وأهل الشاصات والجيوب من كل ديرة يفزعون، ما ينامون الليل لين يلقونه. هذا هو امتداد لأجدادنا اللي بنوا الطين وحصدوا التمر. الجينات وحدة، والأصل الطيب ما يتغير، “يا مال الجنة يا شيبانٍ أورثونا هالمراجل”.
خاتمة السالفة
الزبدة يا طويل العمر، الإنسان ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه وربعه ومجتمعه. الغرور وشوفة النفس ما تجيب إلا الخيبة والذل. اللي يقول “أنا ما أحتاج أحد، وفلوسي تكفيني”، هذا مسكين، ما عرف طعم الحياة ولا جرب لذة الفزعة وعزة النفس اللي تجي من تكاتف الناس.
مقولة “قوم تعاونوا ما ذلوا” هي درس مجاني في علم الاجتماع، وفي إدارة الأزمات، وفي بناء الحضارات. الأولين ما كان عندهم شهادات دكتوراه من جامعات عالمية، بس كان عندهم “جامعة الحياة” اللي علمتهم إن الجدار ما يوقف على طابوقة وحدة، وإن اليد الوحدة ما تصفق، وإن العود لحالوه ينكسر، مير إذا صاروا حزمة، أبطى من يكسرهم.
الله يرحم من مات من شيباننا، ويبارك بالأحياء، ويديم علينا هالتلاحم وهالمحبة في ظل قيادتنا وديرتنا اللي ما زالت وبتظل مضرب للمثل في التكاتف.



