طفل يسأل أمه:
هل تتركين حقيبتك مليئة بالمال والمجوهرات مع الخادمة ؟
ردت لا طبعاً لا أثق بها !!
فسألها الطفل وكيف تتركيني معها ؟؟
سؤال يحتاج من الأمهات للتفكير به جيداً ؟؟
تنبيه وفكرة: السالفة هذي ما هي مجرد كلام عابر أو قصة تنحكى وتنقرا ثم تروح بأدراج الرياح، لا والله! هذي قضية تلمس العظم وتمس قلب كل بيت وعائلة. الطفل بهالسؤال البسيط اختصر فلسفة تربوية كاملة، وحط إيده على الجرح اللي غافلين عنه كثير من الناس!
بداية السالفة وصدمة السؤال
يا ملا العافية، اجلسوا وتسمّعوا زين لهالعلوم اللي تبي توسّع الصدر وتفتح العقول. السالفة تبدأ من موقف صغير بس يهد الجبال ويزلزل النفوس!
تخيلوا معي هالموقف: طفل صغير، توّه بعمر الزهور، يجلس قبال أمه وهي تطالع أغراضها وتظف شنطتها وتجهّز أمورها، فجأة وبدون مقدمات يسألها سؤال بريء، بس وراه ذكاء وفطنة تسوى الدنيا وما فيها!
قال لها: “يا أمي، تصيرين تتركين شنطتس مليانة دراهم والذهب والمجوهرات عند الخادمة بالبيت وتطلعين وتخلينها عندها؟”
الأم طالعت به باستغراب وردت عليه بكل ثقة وبدون تردد، وقالت: “لا يا بنيّي، طبعاً لا! هذي أموال ومجوهرات وممتلكات غالية، وأنا لا يمكن أثق بأحد وأتركها عنده بدون ما أقفل عليها وأحرص عليها!”
هنا جاء الرد اللي يهد الحيل، سألها الصغير بعيون كلها براءة وتعجب: “أجل شلون تتركيني أنا عندها وتطلعين وتثقين فيها علي؟”
يا كبر هالسؤال ويا ثقله على القلب! سؤال يخلي الواعد يصحي الغافل، ويخلي العقل يقف مشدوه أمام هالتناقض الكبيرة اللي نعيشها بعض الأحيان ببيوتنا وبحياتنا اليومية.
التناقض العجيب بين الماديات والضنى
أجل شلون نخش الفلوس والذهب والمجوهرات داخل التجوري، ونقفل عليها بألف قفل ومفتاح، ونحرص عليها أشد الحرص، وناهيك عن الحذر والتفتيش، بينما ضنا يدينا وقطعة من قلوبنا ونور عيوننا نخليه بالساعات الطويلة عند شغالة ما نعرف أصلها ولا فصلها ولا وش بقلبها؟
وين راحت العقول؟ وين راحت التفكير السليم؟ الأبناء يا جماعة الخير أغلى من كل ذهب ودينار بالدنيا، هم الشجرة اللي نزرعها وننتظر ثمرتها بالمستقبل، وشلون نسلم هالثمرة ليدٍ غريبة تشكلها على كيفها؟
ترا المادة والفلوس والذهب والدراهم إذا راحت أو انسرقت أو ضاعت، ربي يخلفها، وترجع بدالها دراهم وتتعوض مع الأيام والسنوات. بس الطفل إذا اخترب فكره، أو ضاعت عقيدته، أو جته عقدة نفسية، أو تعرض لأذى جسدي أو نفسي وهو بصغره، من يعوضه؟ ومن يرجعه مثل ما كان؟ والله لو ندفع ماليين الدنيا ما نرجع راحته ونقائه اللي راح!
قصص من واقع البيوت والتجارب
لو نرجع لورى شوي، ونشوف أمهاتنا وجداتنا الله يرحم الحي منهن والميت ويغفر لهن، تسانت الواحدة منهن تشيل الولد على ظهرها وهي تطبخ وتسوي القوت وتغسل المواعين وتظف البيت، ولا تشتكي ولا تقول تعبت ولا تقول أبي شغالة تشيل عني عيالي! تسانت الأمهات يحطون العيال بعيونهم، ويربونهم على الدين والمرجلة والسنع، وما يهنأ لهن بال إلا والولد تحت نظرهن وتحت رعيتهن.
أما الحين، مع كثرة المشاغل والمغريات، صارت بعض الأمهات -الله يهديهن ويصلح بالهن- تطلع للمقاهي والأسواق وتتسوق وتدور بالروحات والجيات بالساعات، والطفل متروك بالبيت عند الخادمة! لا تدري الأم وش يوكلونه، ولا وش يشربونه، ولا وش يعلمونه، ولا وش يخلونه يشوف بالشاشات والأجهزة!
وترى الخادمة مهما كانت حليوة ومصلية وسمية، تراها إنسانة بشرية جاية تبي دراهم وتبي رزقها وتعيش عيالها بديرتها، مانيب نترجى منها تصير أم ثانية للولد وتحن عليه مثل أمه الحقيقية. الحب والحنان والرعاية والاهتمام، هذي أشياء ما تشتريها بالدراهم ولا تستورد من برى بفيزا وعقد عمل!
أثر الإهمال على عقيدة وسلوك الطفل
خلينا نكون صريحين وشجعان ونواجه الواقع.. الخادمة لما تخلو بالطفل طول اليوم، وش تبي تغرس فيه؟ تبي تغرس فيه لغتها، وعاداتها، ويمكن حتى عقيدتها وطريقة تفكيرها! بعض الأطفال صاروا يتكلمون بمصطلحات غريبة، أو يطلع عندهم سلوكيات وعدوانية ما كانت موجودة بأهلهم، والسبب هو طول المكوث مع العمالة والخدم بدون رقيب ولا حسيب.
غير كذا، الخادمة في النهاية عندها ضغوط، وتتعب، وتزهق، وممكن تنفجر في أي لحظة. وكم سمعنا من قصص تقطع القلب عن أطفال تعرضوا للإيذاء والضرب والترويع بس لأن الأم كانت غايبة ومشغولة بأمور دنيوية بسيطة تقدر تأجلها أو تستغني عنها!
إذا كانت الأم تخاف على شنطتها من السرقة، فالأولى والأحق إنها تخاف على عقيدة ولدها وأخلاقه ونفسيته من الضياع والسرقة الفكرية والسلوكية.
مسؤولية الأب والأم والحلول الناجحة
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”. هالعيال أمانة برقابنا، وبكرة بنسأل عنهم يوم القيامة حبة حبة. ما يكفي إننا نوفر لهم اللبس والأكل واللعب والدراهم، الأهم من هذا كله هو بناء الروح والعقل وتغذيته بالحب والأمان والقرب الوالدي.
الخدم والحشم يجون يساعدون بأمور البيت الثقيلة: نظافة، غسيل، كوي، طبخ.. هذي أمور مساعدة ومطلوبة وما فيها شيء وتخفف على الأم. بس التربية والحضانة والتوجيه والحب؟ هذي خط أحمر، هذي شغل الأم والأب بالدرجة الأولى!
وش الحلول اللي لازم نتبعها؟
- تحديد الأولويات: لازم تعرف الأم إن بيتها وعيالها هم مشروعها الأول والأهم بالحياة، وكل النجاحات الثانية تجي بعدها.
- الرقابة والمتابعة: إذا اضطرت الأم تطلع للدوام أو لظرف طارئ جداً، لازم يكون فيه رقابة، أو تضع الطفل عند أناس ثقة مثل الجدة أو الخالة، أو في حضانات مخصصة ومعتمدة.
- قضاء وقت نوعي: لازم الأم والأب يخصصون وقت يومي يقعدون فيه مع عيالهم، يسولفون معهم، يسمعون مشاكلهم، ويلعبون معهم بدون وجود أي أجهزة أو تشتيت.
- عدم الاتكال التام: الخادمة تنظف وتساعد، بس الأم هي اللي توكل طفلها وهي اللي تسبحه وهي اللي تقرأ له قصة قبل النوم وتضمه لصدرها.
ختام وتأمل
سؤال هالميمون الصغير لازم يظل يرن بأذان كل أم وكل أب: “إذا كانت الشنطة والذهب ما تأمنين الخادمة عليها، شلون تأمنينها على قطعة من روحتس؟”
هذا السؤال يحتاج من الأمهات وقفة صادقة وتفكير عميق وإعادة نظر في كل ترتيبات البيت والحياة. عيالنا هم ثروتنا الحقيقية، هم الاستثمار اللي يبدوم لنا بالدنيا والآخرة، وهم اللي بيدعون لنا بعد عمر طويل.
أسأل الله العظيم أن يحفظ عيالنا وعيال المسلمين من كل شر وسوء، وأن يهدين وإياهم، ويصلح أحوال بيوتنا جميعاً، ويرزقنا برهم وصلاحهم.
0 8 4 دقائق


